عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

50

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

ذكرنا من مقامات النبوة وبالكذب الذي لا بد يعتريهم وبما يدعونه من المحالات المحمولة على قدر ما أعطوه . فإن اتفق لواحد منهم ما يلوح له أقر النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - فإنه يعرض فضله وصدقه ، ويكون أول مؤمن به ويتبع أمره ويشتد له كما روى عن سواد بن قارب وطليحة وغيرهما من الكهنة الذين آمنوا فيما بعد وحسن إسلامهم وثبتوا عليه إلى وقت وفاتهم واللّه أعلم . الفصل الثامن في الفرق بين المعجزة والكرامة والسحر والشعبذة وقد ذكرنا معنى المعجزة وحقيقتها ، فقد صح أن المعجزة محض فضل اللّه تعالى لا مدخل لقدرة العبد فيها ، فإن العاقل يستيقن أن عظاما بالية إذا اجتمعت وتراكبت ، وقامت شخصا يتكلم لا مدخل لقدرة البشر فيه ، وكذلك انشقاق القمر في السماء بإشارة الإصبع حيث يراه الناس في نواحي الأرض ، وبلغنا أنه قيل لجالينوس عند ظهور المسيح ، - عليه السلام - : إنه يبصر الأعمى . فقال : أنا أبصره . قيل : إنه يبرئ الأكمه والأبرص . فقال : هذا عجيب . قيل : وإنه أحيا الميت من قبره . قال : ليس هذا في قوة البشر ، احملوني إليه . فهذا تأييد الحق ، فحملوه إليه فمات في طريق بجنديسابور . واعلم أن كرامات الأولياء ثابتة وحق عند أهل الحق من أهل السنة والجماعة وهي على نوعين : كرامة بين العبد والرب من المواهب التي لا يسعه فيها ملك مقرب ولا نبي مرسل ، وهي الكرامة الحقيقية مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وهذه مما لا يطلع عليه أحد إلا اللّه تعالى والعبد بين المحبين سر ليس يغشيه ، وهذه مما تتعلق بالوصول والوصال . وكرامة يطلع عليها الخلق وهي من جنس خرق العادات المشتبهة بالمعجزة وقد ذكر الأئمة بين المعجزة والكرامة فروقا كثيرة . فمنها : قالوا : إن المعجزة تقع عند قصد النبي وتحديه ، والكرامة قد تقع من غير قصد الولي . وقيل : قد يجوز أن تقع الكرامة أيضا ، بقصد الولي وإنما الفرق بينهما أن المعجزة تقع مع التحدي والكرامة لا يتحدى بها الولي .